السيد كمال الحيدري
38
الإنسان بين الجبر والتفويض
من المهمّ أن يُلحظ كيف أنّ حروف الجرّ الثلاثة « من » و « مع » و « الباء » تؤدّي إلى مبان ثلاثة من مباني أصول العقيدة في هذه المسألة التوحيدية . أمّا محلّ الشاهد من الرواية فيكمن في كلام الإمام علي عليه السلام : « فهو المالك لما ملّكك ، والقادر على ما عليه أقدرك » . وهكذا بالنسبة للأسباب ، فما من سبب من الأسباب الفعّالة في نظام الوجود إلّا والله سبحانه هو الذي ملّكه القدرة على ما يعمله ، وهو المالك لما ملّكه ، والقادر على ما عليه أقدره ، وكلّ ذلك هو من عطائه : كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاء وَهؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ( الإسراء : 20 ) . في ضوء القاعدة ذاتها يتّضح معنى قوله سبحانه : وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ ( الإنسان : 30 ) . فنظام السببيّة قائم فاعل في الوجود ، والرابطة ضرورية بين العلّة والمعلول ، لكن هذه القوانين والعلائق الضرورية لا تعمل على نحو الاستقلال كما تعمل الأربعة بالنسبة إلى الزوجية ، بل تعمل بما أفاده الله عليها من الضرورة ، ومن ثمّ لا يمكن أن تكون هذه القوانين معزولة عن الله بل هي بحاجة إليه حدوثاً وبقاءً ، كما لا يمكن أن تكون أيضاً حاكمة عليه ، كيف وهو سبحانه الموجد والمُبقي لها الغالب عليها ،